محمد أبو زهرة
647
زهرة التفاسير
وإن هذا الذي يبيع نفسه لله سبحانه ، ويفدى الحق بنفسه وماله ، لا يطلب إلا ثمنا واحدا ، هو أعلى الأثمان ، وهو رضا الله سبحانه وتعالى ؛ ولذا قال سبحانه فيما يطلبه : ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ الابتغاء : الطلب الشديد والرغبة القوية الصادقة ؛ ومرضاة مصدر ميمى بمعنى الرضا ، ولا شك أن التعبير بالمصدر الميمى دون المصدر الأصلي له معنى يدركه السامع بذوقه ، ولم نجد النحويين ولا البلاغيين تعرضوا لبيان التفرقة بين التعبير بالمصدر الميمى وغيره ؛ والذي يتبدى لنا ونظنه تفرقة بينهما أن المصدر الميمى يصور المعنى المصدري واقعا قائما متحققا في الوجود ، أما المصدر غير الميمى فيصور المعنى مجردا ؛ فإذا كانت كلمة مقال بمعنى القول ، فإن التعبير بالقول يصور معنى مجردا من غير نظر إلى كونه تحقق وجوده أو لا ، أما كلمة مقال فتصور معنى وجد وتحقق ، أو في صورة الموجود المتحقق ؛ وعلى ذلك يكون معنى ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ أنهم يبيعون أنفسهم طالبين طلبا موثقا رضا الله سبحانه حقيقة واقعة مؤكدة ، ويتصورون رضاه سبحانه حقيقة قائمة قد حلت بهم ، فيشتد طلبهم ، وافتداؤهم للحق بأموالهم وأنفسهم . وأولئك الذين باعوا أنفسهم لله ، وافتدوا الحق بأموالهم وأنفسهم ، هم حجة الله القائمة في عهد الظلم والظلمات ؛ وإذا كان الله سبحانه وتعالى يبتلى الجماعات بأهل الشر والطاغوت ، وحكم الظالمين ؛ فإنه يرسل في هذا البلاء أولئك الذين ندبوا أنفسهم للحق يدعون عليه ، ويجهرون به ، ويجاهدون في سبيل الله لرفع مناره ، وجعل كلمة الله هي العليا ؛ وعندئذ يكون معهم كل من يميل إلى الحق قلبه ، وبين هؤلاء قوم لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء . وبذلك يكون الناس أربع طوائف : أولاها - أهل الشر الطاغون ، الظالمون .
--> حتّى قتل فذلك في الدّرجة الثّالثة ، ورجل مؤمن أسرف على نفسه لقى العدوّ فصدق اللّه حتّى قتل فذلك في الدّرجة الرّابعة » . قال أبو عيسى : هذا حديث حسن غريب . ورواه أحمد في مسند العشرة المبشرين ( 145 ) .